محمد جمال الدين القاسمي

441

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج . وقد أرانا الله سبحانه ، بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك . أنموذجا في الدنيا من حال النائم . فإن ما ينعم به ، أو يعذب في نومه ، يجري على روحه أصلا ، والبدن تبع له . وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا ، فيرى النائم أنه في نومه ضرب ، فيصبح وآثار الضرب في جسمه . ويرى أنه قد أكل وشرب ، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب فيه . ويذهب عنه الجوع والظمأ . وأعجب من ذلك أنك ترى النائم ، ثم يقوم من نومه ، ويضرب ويبطش ويدافع ، كأنه يقظان ، وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك . لأن الحكم ، لما جرى على الروح ، استعانت بالبدن من خارجه . ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحسّ . فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ، ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع ، فهكذا في البرزخ ، بل أعظم . فإن تجرد الروح هناك أكمل وأقوى ، وهي متعلقة ببدنها ، لم تنقطع عنه كل الانقطاع . فإذا كان يوم حشر الأجساد ، وقيام الناس من قبورهم ، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرا باديا . ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبيّن لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه ، وضيقه وسعته ، وضمه ، وكونه حفرة من حفر النار ، أو روضة من رياض الجنة - مطابق للعقل . وأنه حق لا مرية فيه . وأن من أشكل عليه ذلك ، فمن سوء فهمه ، وقلة علمه . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 155 إلى 156 ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) وقوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ خطاب لمن آمن مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، خصّوا به ، وإن شمل من ماثلهم ، لأنهم المباشرون للدعوة والجهاد ، ومكافحة الفجّار . وكل قائم بحق ، وداع إليه ، معرّض للابتلاء بما ذكر ، كله أو بعضه . والتنوين للتقليل . أي : بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه ، وإنما قلّل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان ، وإن جل ، ففوقه ما يقل إليه . وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم . وإنما أخبر به قبل الوقوع ، ليوطّنوا عليه نفوسهم ، ويزداد يقينهم ، عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به . وليعلموا أنه شيء يسير ، له عاقبة حميدة مِنَ